الثلاثاء، 3 نوفمبر، 2009

لكل شيء نهاية... حتى اسطورة الله وحتى انشغالي به... وداعاً ايها الأحبة

مرت أكثر من سنة على أخر تدوينة لي. خلال هذه الفترة كانت الأفكار تتنازعني، ليس بين الدين واللادين، فقد تجاوزت هذه المرحلة "بقضل الله"، او فلنقل بعجزه.

لقد اكتشفت أخيراً انني اضعت عمري الذي يقارب الآن نصف قرن إما في عبادة الله او البحث عنه او الهروب منه او الدفاع عنه او مهاجمته. عندها، توصلت لقرار: كفاني سفاهة. الله في الأغلب غير موجود. وحتى ان كان موجوداً فهو غير مهم. إذا، فما فائدة الإنشغال به؟

قراري الذي لا رجعة عنه حتى ولو التفت الساق بالساق: انت طالق طلقة بائنة يا الله! فانا منذ حوالي العامين رأيت الموت بام العين، وتوصلت لقناعتي هذه وقراري هذا والساق ملتفة بالساق. فأرجو من الوعاظ الذين يجادلون في العادرة من منطلق ان الانسان اللا إلهي واللا ديني سيغير رأيه و "يتوب" عندما تبلغ روحه حلقومه ان لا يكونوا كالببغاوات وان لا يستعملوا معي هذه الحجة في النقاش. لقد اتخذت هذا القرار عن قناعة تامة وانا بكامل قواي العقلية وهو قرار نهائي وعمل به عقلي وعواطفي من ساعته وتاريخه.

على أثر قراري بعدم الانشغال بالله بعد الآن، تنازعتني الأفكار وكانت الاحتمالات امامي ثلاثة كما يلي:

(1) مواصلة مقارعة الله مثل بن كريشان الذي ينهكه الله ليل نهار ويأخذ من وقته أكثر مما يأخذه من وقت العبّاد الناسكين!

(2) ازالة هذه المدونة من الوجود، ويا دار ما دخلك شر!

(3) الخروج من المعركة بنبل مثل العزيز قضمات صغيرة.

وأنا رغم قناعتي بأن معركة العزيز بن مع الله هي في المحصلة معركة بين دون كيشوت وطاحونة هواء، فإنني أوقن بأنه ليس لديه خيار؛ فقد حمي الوطيس بينه وبين الرب في علاه ولن تتوقف المعركة إلا بفناء أطرافها جميعاً. أي بانتهاء بن لان الطرف الآخر غير موجود من الأساس!

وعليه، اودعكم جميعاً وأتمنى للجميع كل الخير. هذه آخر تدوينة لي وانا سائر في هذا على خطى العزيز قضمات صغيرة. انا لن اضيع بعد الآن أي وقت على الله لا في عبادة ولا في نزال.

قبل أن أختم لا بد لي من الإشارة إلى انني سافتقد الله وسجالي معه. ولكن وكما أسلفت، فلا بد لكل شيء سواء كان جميلا او قبيحاً من نهاية. فوداعا يا الله ووداعاً أيها الاصدقاء.

الأربعاء، 11 يونيو، 2008

سبحان الله احسن الخالقين


الدلائل على وجود الله كثيرة ولكنها ربما تختلف باختلاف الدين. فمثلا، المسيحيون يفاخرون بوليمة السمك المعتبرة التي أقامها سيادة الفريق اول ابن الله المسيح بن الرب في علاه لآلاف الجائعين الذين لم يرزقهم ربهم بما يقيم أودهم وأجاعهم رغم انه هو نفسه ربهم الذي هو في نفس الوقت أبو نفسه. أما المعجزة فليست في كرم المسيح، فهذ شيء متوقع من رب إبن رب مثل حضرته. المعجزة تكمن أيها المحترمون في انه أَوْلَم بسمكتين والقليل من الخبز فقط لا غير! تخيلو لو انني أطعمت في هذه الأيام حياً كاملاً من علبتين سردين وكيس خبز، هل يمكنكم ان تنكروا هذه المعجزة وان لا تسلموا باني ابن الله واني انا الله أبو نفسي؟

الاسلام من الناحية الأخرى ثابت دامغ بدليل معجز قائم ليومنا هذا وليوم الدين: القرءان. والتحدي في القرءان نفسه واضح. وهذه الآيات مثال على التحدي المعجز الكامن في القرءان: (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين)، ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين)، (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين)، (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً).

ان كان الأمر كذلك، فكيف يتسنى لعمر بن الخطاب المساهمة في كتابة القرءان؟ وأبسط مثل على هذا هو القصة المشهورة التالية: لما سمع عمر: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ.." الخ قال بعدها: "فتبارك الله أحسن الخالقين". فقال محمد لكاتب الوحي يومئذ "هكذا نزلت فاكتبها". ونرى أن القرءان كثيراً ما ينزل برأي عمر.

من ناحيت، فكلما خطرت هذه الآية على بالي (فتبارك الله أحسن الخالقين) كلما تذكرت الشيخ بن باز بطلعته البهية. ولكن، ليس هذا هو المهم. المهم هو مشاركة عمر في تأليف القرءان. ولكن ما المشكلة في هذا. يعني ربما ان كل ما في الأمر توارد خواطر بين السيد الله والسيد عمر.


بالمناسبة، ما رأي جراحي التجميل وأخصائيي تقويم النظر والأسنان في نظرية أحسن الخالقين هذه. حتى نانسي عجرم يا ربي لم تسلم من حسن خلقتك واضطرت لاجراء عملية تجميل. حكمتك يا رب.


من ناحية أخرى، نرى ان الاسلام يلي "أسباب النزول" أهمية قصوى في تفسير وربما تبرير القرءان. ان كان من عند الله وان كان هناك إله، ما الحاجة لأسباب. وان كان الاسلام والقرءان صالحين لكل مكان وزمان وانسان وحتى للجان، فما الداعي لسبب لنزول كلام الله؟ أليس صحيحاً انه ان زال السبب زالت النتيجة؟


الأربعاء، 16 أبريل، 2008

الخـِســاب على صاخـِب الـَـمخـِّـل يا خبيبي

اليوم لم أذهب للعمل. أوصلت الأولاد للمدارس ثم رجعت للبيت. في الطريق، فتحت الراديو (المذياع أعزكم الله) على قناة محلية فوجد برنامجاً ديناً. كان صوت المتحدث يعلو وينخفض ويموج ويغنج في محاولة مستميتة لايصال الرسالة: كلنا ابناء عرص مخطئين والمسيح وحده هو ابن الله ودفع ثمن خطايانا كاش بلاص تاكس (يعني شامل الضرائب أعزكم الله)! ولسبب ما (ربما حكمة إلاهية) واصلت الاستماع. وإليكم ما فهمته:

المسيح ابن الله ولكنه بشر. وهو بشر ولكنه ابن الله. وهو ابن مريم التي هي ليست بالطبع زوجة الله ولكنها لم تكن على علاقة غير شرعية لا به (أي الله) ولا بغيره. وهو (أي المسيح) ابن ابراهيم. وهو أيضاً ابن ديفيد (داوود). أي انه عبراني يهودي (وشو يعني؛ طز طزين ثلاثة). اما مريم، فهي عذراء لم تتزوج وليس هناك شبهات حولها بتعدد الأزواج رغم ان ليسوع كل هؤلاء الأباء. والمسيح هو آدم الثاني. وبينما اخظاً آدم الأول وطُرِدَ من الجنة بسبب هذه الخطيئة، فان آدم الثاني لم يخطئ وأرسله الله على هيئة انسان من رحم امرأة (مريم العذراء) ليصحح هذا الخطاً وليمحو هذه الخطيئة. وقد نشأ المسيح كانسان، رغم انه ابن الله وبالتالي فهو إله بالوراثة لان فيه جينات إلهية. وقد صام واحس بالجوع، ثم أفطر فاحس بالشبع معجزة! كذلك، فقد صُلِب ومات ثم قام فحيا ونط راجعاً للسماء.

في هذه اللحظة تذكرت امي التي كانت تعايرني عندما افشل في انجاز امر ما فكانت تقول: "تيتي تيتي، زي ما رحتي زي ما جيتي!" واكتشفت انني مثل المسيح تماماً: فأنا تيتي وهو تيتي! الله أكبر! هاليلويا!

ويواصل الواعظ الحديث باخلاص فيقول:

بالنسبة لكيفية ان الله انسان وان الانسان إله، فربما تريدون مني تفسير هذا. ولكي أكون صريحاً معكم: فان هذا ليس بامكاني لاني انا نفسي مش فاهم! ولكن ولحسن الحظـ، فالتفسير موجود في الكتاب (أي الانجيل): أنا الله وانا بشر. هذا ما يقوله المسيح عن نفسه في الانجيل. فهل بقي هناك مجال لعدم الفهم؟!

أخذت في الضحك حتى اغرورقت عيناي بالدموع (حلوة اغرورقت هذه، مش هيك؟) ما علينا. المهم انني فعلاً احسست بالسعادة لعدم ايماني بهذا الهذيان. قال ايه: الواعظ يسأل ان كان قد بقي مجال لعدم القهم؟ يا ترى، هل هذا سؤال استنكاري لانه يعتقد بانه قد استأثر بكل عدم الفهم بحيث انه لم يبقى من هذا (أي عدم الفهم) اي شيء لغيره من الناس؟ ربما. الله يكسر خاطره شو أناني.

ويواصل الواعظ شارحاً ان كل ما بقي علينا هو ان نقبل بالمسيح مخلصاً. السؤال هنا: هل يمكن للمسيح ان يخلص الواعظ مما هو فيه من سفاهة؟. طبعاً لا. اذاً، فكيف يكون هو المُخَلِّص؟

ولمن لم يفهم حتى الآن: خلق الله آدم وخلق حواء ثم تركهما ليقعا في المعصية ثم عاقبهما ونسلهم الذي هو خالقهم ايضاً ثم ارسل ابنه المسيح لتصويب اوضاع هذه المخلوقات وانقاذها من العقاب رغم الخطايا التي ارتكبوها، وكاننا في فيلم مصري قديم به خواجا يدير باراً وبعد ان يشرب الزبون ويتنيل على عين اهله يفاجئه الخواجا قائلا: الخساب على صاخب المخل يا خبيبي. المشكلة الوحيدة هنا هي في هذه اللهجة الخواجاتية التي تقلب الحاء خاءً! أو هل يا ترى هذه الحياة هي الكاميرا الخفية؟
أعدت التفكير في الأمر، فوجدت إن الموضوع سهل: هذا ببساطة هذيان لا يمكن فهمه، ولكنه في كتاب متين. فهل هناك مجال لعدم الفهم بعد هذا؟ الله خلقنا ثم اضلنا ثم عاقبنا ثم بعث لنا ابنه رحمة منه فتبهدل ابنه علي ايدي بعضنا وآمن بعضنا ثم صلبنا ابن الله ثم قتلناه ولم يبقى سوى ان نعترف بهذا وبان ابن الله هو المُخَلِّص فندخل الجنة، وإلا فإلى جهنم وبئس المصير واللي مش عاجبه يقلب وجهه.

كم تمنيت لو انني كنت اسمع هذه الموعظة عبر التلفون (أي الهاتف أعزكم الله) وليس عبر الراديو (أي المذياع أعزكم الله مرة أخرى). عندها لكنت قد رددت على الواعظ وقلت: آمين.
.

الثلاثاء، 1 أبريل، 2008

أشعلوا شموعكم والعنوا الظلام

أَعْلَمَ أن ابني منير يخاف الظلام، وكان هذا الأمر يضايقني. فأنا -وككل أب- أريد ان ارى ابني الذي هو على أعتاب سن المراهقة شجاعاً جسوراً قادراً على الاستمتاع بالحياة وامتاع الحياة به. أليس طبيعياً أن نحب ابناءنا حتى أكثر من أنفسنا؟ وبحق، وليس فقط لأنه إبني، فهذا فتى يستحق الحياة وتستحقه الحياة؛ تماماً مثله مثل كل فتى وفتاة في مثل عمره وكل انسان من كل عمر وفي كل مكان وزمان.

أما عن ما كان يضايقني من ابني عندما يعبر عن خوفه من الظلام فيقول: "بابا: أنا خائف من العتمة" فهو ان الأمر لم يكن يبدو منطقياً! فأحاول أن أناقشه وأبين له بانه لا يوجد ما يخشاه، بدليل انه لو أضاء المكان لوجد انه ما من شيء هناك! وبعد تفكير طويل في الأمر توصلت إلى ان هذا بالفعل هو ما يخيفه: اللاشيء! نعم، اللاشيء مخيف بالفعل. وللتغلب على اللاشيء وعلى الخوف من هذا اللاشيء فلا نحتاج إلا إلى بعض النور لنكتشف ماهية هذا اللاشيء! منطق إليس كذلك؟


بشكل أو بآخر، فكلنا نخشى المجهول، أليس كذلك؟ نخشى الموت لأننا لم نجربه من قبل، ومن جربه فليس بامكانه ان ينقل لنا تجربته. ولهذا، فاننا نخشاه لتمام جهلنا به كتجربة. وعندما يأتينا نذير بشير من المجهول، فالأمر لا يحتاج إلى الكثير من الإقناع فنحن بخوفنا من المجهول نكون جاهزين للقبول وليس عليه سوى التمني ولا يُتَوَقَعُ منا سوى القبول والتصديق والاستسلام. إليست هذه الأوامر والنواهي والتعليمات من المجهول الذي نخشاه باخلاص؟ وللحقيقة، فنحن معذورون: السنا عبيداًَ بالفطرة للخوف من المجهول؟ والأسواء هو ان هذا الخوف الفطري نمى وترعرع فينا كأفراد وجماعات عبر تاريخنا البشري -البائس في أغلبه- فربى فينا هذا الخوف والاستسلام كأشخاص ومجتمعات على حد سواء ورسخ هذا الخوف في تركيبتينا النفسية والاجتماعية.


لتقريب الفكرة: تخيل انك انسان عادي وانني اعرض عليك ان تتناول طعاماً لم تصادفه من قبل في حياتك وارفض حتى ان اسمح لك برؤيته او شمه او لمسه او ادراكه باي من حواسك. ماذا سيكون ردك؟ طبعاً الرفض بناءً على جهلك (عدم معرفتك) بما تم عرضه عليك مما يخيفك منه. أي انك ببساطة خائف من المجهول! الآن، تخيل انني أريتك الطبق فاعجبك شكله ثم سمحت لك بشم الطعام فأجرت الرائحة لعابك ثم سمحت لك بتذوق قطعة صغيرة جداً فوجد الطعم ألذ من أن يقاوم. ماذا ستفعل؟ هل ستأكل أم لا؟ كذلك، فتخيل العكس تماما وبانك وجدت الشكل مقرفاً والرائحة منفرة والطعم لا يطاق. هل ستأكل؟ طبعاً لا. في كلا الحالتين ستكون قد تصرفت بناء على علم وليس على بناء على خوف من المجهول ليس إلا. يعني باختصار: العلم مفتاح الفرج وحقيقي انه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون!


كل ما كان ابني يحتاجه للتغلب على خوفه من الظلام هو القليل من النور لتبين ان اللاشيء هو فعلاً لا شيء وأنه لا يخيف. أما ان خبى النور او انطفأ، فسيعود اللاشيء ليصبح شيئاً مخيفاً! ورغم ان هذا مخالف لقوانين الطببيعة حيث لا تفنى المادة ولا تستحدث، فان هذا ليس مخالفاً لطبيعة البشر حيث يمكن للاشيء ان يصبح شيئاً. أليس أمره ان أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون؟ وطز في الفيزياء وفي كل العلوم!


المشكلة ليست مشكلة شخصية. المشكلة مشكلة أجيال وأجيال وبلاد وبلاد من الخائفين من الظلام والذين لم يجرأوا لا على اشعال شمعة ولا حتى على لعن العتمة! يا لها من مصيبة. أشعلوا شموعكم والعنوا الظلام وتخلصوا من الخوف من العتمة ومن اللاشيء الذي يسكنها ويعشعش في خباياها. وان لم تفعلوا ولن تفعلوا، فاعبدوا الله مخلصين له الدين لأنكم لا تستحقون أكثر من هذا.

ملاحظة ختامية لا بد منها: العتمة فعلاً مخيفة وهناك "لا أشياء" أكثر تخويفاً تسكن في الظلام. الليلة حققت النظر في الظالم فوجد فيه تنيناً مخيفاً مختبئاً بين ثنايا الظلمة، ومن لا يصدق فبامكانه تجربة هذا في أي ليلة من خلال اطفاء النور لرؤية التنانين التي تسكن العتمة. وأنا والمدونة غير مسئولين عن ما ستفعله هذه الوحوش بكم. كذلك، فنحن غير مسئولين عما سيلحق بهذه الوحوش ان اتبعتم النصيحة وأضأتم شمعة. تنانينا غير مضمونة ولا نكفلها بفلس أو هللة. كذلك، فالبضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل وتخضع لأحكام حد الردة.

الاثنين، 31 مارس، 2008

صلاة الجمعة الحزينة المسخرة

يوم الجمعة الماضي عجيب غريب، فهو يلي يوم المولد النبوي الذي يحتفل به المسلميون ويصادف الجمعة الحزينة كما تسمى عند المسيحيين العرب والجمعة الطيبة كما تسمى عند المسيحيين الأوروبيين. وهذه الأيام أيضاً توافق عيد المساخر عند اليهود، عليه، فقد قررت ان أذهب لصلاة الجمعة للحصول على بركات هذه الأيام الكريمة المقدسة عند الديانات السماوية والتي يحسبها المسلمون ثلاثة، ويحسبها المسيحيون اثنتان وهي واحدة فقد عند اليهود!

يا ترى، لماذا هي جمعة طيبة عند المسيحيين الأوروبيين بينما هي عند نفس اتباع الدين من أبناء جلدتنا جمعة حزينة؟ لا بد انها جيناتنا الكئيبة او الهواء الملوث الذي نتنفسه او الشمس اللاهبة التي تطس العقول في هذه الأوطان الكئيبة!


ساعة الصفر:
أدخل المطهرة فاجدها مزدحمة وأجد القوم بين نافٍ وتافٍ ومُشَمِّرٍ ومُقَنْبِزٍ، فاشمر واقتنبز وأتف وأنف واتشطف وأخلخل بين أصابع اليدين والقدمين ناوياً الطهارة.


المشهد الأول:
أبو بريص صوته شنيع، ومع هذا فانه يحسب بانه باحتكاره للآذان فانه سيدخل الجنة بدون سؤال. ولكن الأهم من هذا انه كايد اعداءه الذين يتمنون غيابه لأخذ فرصتهم في الحياة... أقصد في الآذان. وهو يحسب نفسه بلال بن رباح ويتمنى لو ان أميه يبيعه لنادي برشلونه او آرسنال بدلاً من ان يبيعه لأبي بكر ليعتقه. المهم، أزفت الساعة فقام أبو بريص للآذان وانبرى يصدح بصوته الملعلع عبر مكبر الصوت ليُسْمِع خلق الله بان الله أكبر... الله أكبر.... كتمت السؤال في نفسي الأمارة بالسوء: لماذا هذا الصراخ كل يوم خمس مرات (على الأقل)؟ أذكر ان صديقاً غير مسلم صارحني برأيه في الآذان مرة فقال انه رغم ان الآذان يتكون "تقنياً" من جمل مفيدة، إلا انه غير مفيد في الإجمال. لن اخوض فيما عناه ذلك الشخص وسأترك لكم التأويل كما تريدون.


المشهد الثاني:
لم ادخل مسجداً منذ مدة. ينتابني شعور غريب. لماذا أنا هنا؟ لماذا هؤلاء هنا؟ لماذا نجلس على الأرض في هذه الوضعية غير المريحة؟ ثم ماذا يقول هذا الشخص الواقف بجانب المنبر؟ لماذا يقف بجانب المنبر وليس فوقه؟ يا له من هدر؟ إن كان المنبر لا لزوم له ويمكن للخطيب ان يقف على الارض، فلماذا يجمعون التبرعات لشراء هذه المنابر؟ واستمرت الأسئلة الفارغة تقرع تلافيف مخي إلى ان عَلى صوت الخطيب: اللهم افعل... اللهم لا تفعل... اللهم افعل ولكن لا تًكْثِر... اللهم لا تفعل ولكن لا بأس ان فعلت قليلاً... وانا والموجودين نرد بصوت جهوري نتصنع فيه الخشوع والتقوى والورع: آميــــــــــــــــــــــــــــن. مين آمين هذا؟ ما دخل آمين فيما نقول؟ مش مهم، آميـــــــــــــــــن.

يتابع الامام الورع الخطبة قافزاً بشطارة بين الوعيد والتهديد، والقال والقيل، والتهليل والتكبير، والشهيق والزفير، والتنحنح والانتحاب، والنشيج والعويل، ثم السب واللعن على الكافرين والاستغفار للمؤمنين والدعاء لهم باكمال الدين وستر عوراتهم اللاتي هي بناتهم وأزواجهن وكل مؤنت في حياتهم. وبين الحينة والفينة يصلى على أشرف الخلق أجمعين وامام المتقين والذي نحتفل بذكرى ميلاده اليوم وكل يوم. ويلفت نظرنا إلى ان الله وملائكته يصلون على النبي، إلخ، إلخ، فنصلي نحن أيضاً عليه مثلهم ومثل خطيبنا الهمام. ولا يفوت الخطيب المفوه الاشارة إلى الرسوم الدنماركية وانهم بقر لا يفقهون لأننا وحدنا من يفهم! ويحتسب الخطيب الله عليهم ونحتسب معه!

المشهد الثالث:
فَطَّ فلان من الصف الأول فأقام الصلاة. كم كنت اتمنى لو كان هناك مجالاً للإبداع هنا. نفس الكلمات ونفس اللفتات لليمين واليسار حسب السنة منذ أكثر من 1400 سنة. هذا الأمر لا يعنيني. ما يعنيني هو سنين عمري التي لم يتغير هذا "الخطاب" خلالها. كيف لا يصاب من يستمع لهذا الكلام أو يقوله مراراً وتكراراً بالملل؟ ربما ان البعض يجد متعة في هذا، لكني ومن قلبي وبدون تحامل: مَلّيت.

المشهد الرابع:
الامام يحذرنا من ان نقف بعوج ويحذرنا أيضاً من الصفوف الملتوية ولسان حاله يقول: "صحيح انكم تقفون خلفي ولكني واعيلكم ومركب عيون في قفايا". الشيطان يتربص بكم، ان ترك احدكم فُرْجَة بينه وبين الواقف بجانبه والذي افطر فولاً بالبصل فسيدخل الشيطان ليقف فيها. فكرت: هل اترك فجوة بيني وبين صاحب الكرش الذي عن يميني لعل الشيطان يقف فيها وانال حسنات لانني أجبرت ابليس على الصلاة. هل اترك فجوة بيني وبين هذا التنح الواقف عن يساري والمصمم على غرس اصابع قدمه في اصابع قدمي والذي كلما سحبت قدمي اليسرى لليمين، لحقني كانه مسلط علي كعملي الرديء. ليت الشيطان يقف بيننا فيتعذب العذاب الأكبر على يد (أو بالأحرى رجل) هذا المزعج.

يطلب الامام استحضار النية وينصحنا بان نصلي صلاة مودع. يا سيدنا الشيخ، لماذا هذا التشاؤم؟ سؤال لم أسأله، فلم يجاوب هو!


المشهد الخامس:
يكبر الامام فنكبر، يقرأ فننصت ونقرأ، يطيل فنتمايل في خشوع، يركع فننخ، ثم يسجد فنخر وراءه ساجدين، ثم يقعد فنكون مثله من القاعدين. الخوف يملأ قلبي. هل يمكن ان يضحك علي الشيطان الذي اندس بيني وبين صاحبي ذي الكرش فيجعلني أرفع رأسي قبل الامام فانقلب حماراً؟

تمضي الدقائق كأنها ساعات ويتابع الامام القراءة بلا كل ولا ملل ولا نصب ولا تعب ونحن في اثره ماضون. أخيراً، نجلس فتطول الجلسة ثم نسلم عن اليمين وعن الشمال. أتذكر انه كان بامكاني ان اتف على الواقف عن يساري ولكني اضعت الفرصة. ربما في المرة القادمة. وعلى رأي الحاجة والدتي: كل تأخيرة وفيها خيرة وخيرها في غيرها.

المشهد الأخير:
نجلس في خشوع نستغفر ربما على الأفكار التي دارت بخواطرنا أثناء الصلاة ثم نقوم فنصلي السنة وكأن الفرض لا يكفي. هل هذا نوع من البقشيش؟ على أي حال نقوم متجهين نحو الأبواب للخروج وكانك يا محترم في عش دبابير: زن زن زن زن. الكل يكلم الكل وكانه آخر عهدهم بالكلام فيريدون ان يشبعوا منه. نخرج فاذا بالسوق قد نُصِبَ على أبواب المسجد فننتشر في الأرض ونتهافت على ارزاقنا.

سيماهم على وجوههم:
اتطلع حولي فأرى الجمع في سعادة غامرة وطمأنينة وسكينة... سيماهم على وجوهم. احس بسعادة لان السكينة لم تتمكن مني وأفر من بين الجموع لأتوارى عن العيون.

وتقبل الله طاعاتكم............

السبت، 29 مارس، 2008

للسعوديات فقط... حقيقي ألف مبروك

كما اوضحت قبل أيام، فانني قد قررت الانبراء في هذا الشهر الفضيل (مارس) للدفاع عن حقوق المرأة عبر صفحات هذه المدونة. ولكن يا فرحة ما تمت، أخذها الغراب وطار! فقد افقت من النوم فجأة لأكتشف بان المرأة قد اخذت حقوقها، وزيادة. وبهذا، فقد خسرت انا شخصياً معركتي الدون كيشوتية، حتى قبل ان تبدأ. وعزائي الوحيد انني خسرت امام الأفضل؛ رجال هيئة الأمر بالمعلوف والنهي عن الخردل.


ورغم ان الكل يعرف ان الاسلام قد اعز المرأة واعطاها حقوقها كاملة، فان بعض المغرضين والحاقدين السفلة (من امثال محسوبكم) دأبوا على التشكيك بهذا الأمر وعدم الاعتراف به. ولكن وكما تفول الحِكمَة: فانك تستطيع ان تخدع البعض كل الوقت، وتستطيع ان تخدع الكل بعض الوقت، ولكنك لا تستطيع ان تخدع الكل كل الوقت.

من يعرف السعودية يعرف ما تعنيه هيئة الأمر بالمعلوف والنهي عن الخردل في بلاد الصحراء الفاقعة: أنها خط الدفاع الأول والأخير في وجه التقدم اعاذ الله اهل تلك البلاد منه وابعده عنهم وابعدهم عنه. فهذه الهيئة توظف رجالاً افاضل للمحافظة على القيم والتقاليد والأخلاق والدين (بالخيزارانة في احسن الأحوال وبوسائل اخرى كما قد تستوجب الامور). وشعار هؤلاء الأشاوس ان العصا لمن عصى! وهم في استعمالهم للخيزارانة يستوخون العدل، فلا يفرقون بين ذكر وانثى أو كبير وصغير أو مواطن او مقيم أو صحيح او مريض. فالكل امامهم سواء باستثناء اولي الأمر منهم. وللدلالة على انهم بشر وغير معصومين، فقد قتلوا مؤخراً عددا من المواطنين لبيان انهم بني آدم، وكل بن آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابين.

وبالإضافة لسعي المطاوعة (رجال الهيئة) الدائم لاثبات انهم بشر وليسو ملائكة تمشي على الأرض، فان لهم انجازات أخرى. فهم حملة رقم جينيس في اكل الكبسة وأبطال العالم في المسواك للمسافات الطويلة. كذلك، فهم معروفون بسيقانهم الجميلة التي تكشف عنها أثوابهم القصيرة حسب السنة، وهم يحفون الشوارب ويطلقون اللحى ولا يهمهم المتنبي وما قال في هذا. ومن الجدير ذكره هنا انه عند انشاء حكومة الكترونية في السعودية (ان شاء الله) فإن الهئية ستضلع بدور فايروس ليس له مضاد لا من العم مكافي ولا من الحاج نورتون.

ولان الهيئة تؤمن بحقوق المرأة وتحرص على المساواة بينها وبين الرجل في (حدود الشرع)، فقد قرروا مؤخراً في خطوة هي الأولى من نوعها توظيف نساء وتشكيل وحدة نسائية وتكليفهن بضبط وملاحقة المخالفات الشرعية الخاصة بالنساء بمهرجان الجنادرية.وبحسب ما نشر موقع العربية نت فان مصدرا رفض التصريح عن اسمه (لاحساسه بالأمان وحقوق الانسان) قد افاد بان هناك مشروع يتم دراسته لإنشاء وحدة خاصة للعضوات يعهد لها صلاحيات القبض على من يرتكبن مخالفات شرعية أو توجيه النصح لهن حسب نوع المخالفة. وبمناسبة المهرجان السخافي اياه، فقد تم تخصيص مئات من السيدات والفتيات السعوديات لحفظ الأمن والنظام وملاحقة المتبرجات داخل أرض الجنادرية في الأيام المخصصة للنساء، إضافة إلى التعاقد مع شركات نظافة نسائية. وبالنتيجة، فقد رفعت هذه الترتيبات الحرج الذي يشعر به أعضاء الهيئة خلال مداهمتم لأماكن بها نساء، وخاصة الأماكن المغلقة التي يتم فيها ضبط مخالفات الخلوة غير الشرعية.

وبهذا سيداتي سادتي تكون السعودية قد ساوت بين جحا الذي هو أحق بلحم ثوره وجحاية التي هي احق بلحم بقرتها واعطت النساء حق اضطهاد النساء بعد ان كان هذا الحق مقصوراً على الرجال من قبل. مبروك من القلب للمرأة السعودية وحصوة في عين الحساد الأوغاد الحقاد.

السبت، 15 مارس، 2008

للنساء فقط: إياكن ثم إياكن والكبيرة التاسعة والسبعون بعد المائتين!

منذ مدة، كنت قد نشرت هذا الموضوع في موقع على الإنترنت تحت اسم مستعار آخر. وقد رأيت ان اعيد نشره هنا مع بعض التعديل في خضم فترة النسونة التي أمر بها والتي ربما تكون علامة على بوادر لأزمة منتصف العمر كما يسميها الفرنجة، او مراهقة الشيخوخة كما يسميها بنو يعرب. فإلى المقال:

في خضم انشغال الماديين من علماء الغرب بالانبعاث الحراري وسعيهم لايجاد علاج للسرطان وتطوير مصادر جديدة ونظيفة للطاقة، انشغل علماؤنا الأفاضل بفقه المرأة وتبيان أن صوتها عورة - حتى ولو كان نقيقاً كنقيق الضفادع أو فحيحاً كفحيح الأفاعي - ونقاش فضل النقاب على الحجاب للصلعاء والجرباء. وقد سخّر علماؤنا الأشاوس الانترنت وابتدعوا ما يمكن تسميته بالفتاوي الإفتراضية السايبرية الدجاتيلية لخدمة الأنسانية. ومن أبرز المبدعين على هذا الصعيد ما يسمى بمركز الفتوى. وتتناول فتاوى هذا المركز أموراً حياتية هامة وملحة، فهي مثلاً تشجع الأولاد على ركوب الخيل من باب أن هذا من السنة، بينما تشير إلى تحريم الشافعية الشئ ذاته على البنات والنساء استناداً لحديث يقول: لعن الله الفروج على السروج. ومن لا يصدق، فليتفضل ويضغط هنا، وذنبه على سرجه أو فرجه، والله أعلم.

والمشرفون على الموقع في الواقع فهمانين بالفعل وورعين وأتقياء ولا تأخذهم في الحق لومة لائم ولا لئيم مثلي. فهم يرون أن مكان المرأة بيتها (أو بالأحرى بيت أبيها أو زوجها)، وأنه لا يجوز لها تولي الأمور العامة مثل النيابة في البرلمان، وأهم ما في الأمر هو أنه يرى أن الكبائر التي تدخل "النار" بعدد شعر رأس المرأة وليست بعدد شعرات صلعة واحد أقرع مثلي. فمثلاً: يشير الموقع إلى أن الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى يبين في الزواجر عن اقتراف الكبائر أن الكبيرة التاسعة والسبعون بعد المائتين: خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة ولو بإذن الزوج. ومرة أخرى، من لا يصدق يمكنه زيارة الموقع.

تخيلوا يا بشر: هناك على الأقل 279 كبيرة في الإسلام! الله أكبر! يعني باختصار لازم الواحد مننا ياخد باله 100% والا فانه داخل النار 100%، وان أفلت من كبيرة فلن يهرب من الباقي. يا ما انت كريم يا رب! أليس ربك بالمرصاد؟

بالمناسبة، زوجتي منكبة هذه الأيام على قراءة كتاب حصلت عليه هدية من صديقة لها. اسم الكتاب: 1000 سؤال وجواب للمرأة المسلمة. ويا ويلها يا ظلام ليلها يا اللي ما بتعرف كل الأسئلة والأجوبة، لأنها باختصار ممكن تروح النار بسبب جهلها بالكبيرة 373 ونصف. حقيقي، الله لا يخلف على مؤلف الكتاب ولا على التي أهدته لزوجتي. وأخشى ما أخشاه هنا هو ان يكون الانكباب على هذا الكتاب من الكبائر الألف والتي تستوجب الحرق في الفرن إياه. مسكينة زوجتي ومسكينة هذه الأمة. مسكينة، مسكينة، مسكينة.